الغزالي
25
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
5 - باب : في غلبة النفس وعداوة الشيطان ينبغي للعاقل أن يقمع شهوة النفس بالجوع ، إذ الجوع قهر لعدو اللّه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع » . إن أقرب الناس إلى اللّه تعالى يوم القيامة من طال جوعه وعطشه ، وأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن ، فبها أخرج آدم وحوّاء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار ، إذ نهاهما ربّهما عن أكل الشجرة ، فغلبتهما شهوتهما حتى أكلا ، فبدت لهما سوآتهما . والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات . وقال بعض الحكماء : من استولت عليه النفس صار أسيرا في حبّ شهواتها ، محصورا في سجن هفواتها ، ومنعت قلبه من الفوائد . من سقى أرض الجوارح بالشهوات فقد غرس في قلبه شجرة الندامة . إن اللّه تعالى خلق الخلق على ثلاثة ضروب : خلق الملائكة وركّب فيهم العقل ، ولم يركّب فيهم الشهوة ؛ وخلق البهائم ، وركّب فيها الشهوة ، ولم يركّب فيها العقل ؛ وخلق ابن آدم وركّب فيه العقل والشهوة ؛ فمن غلبت شهوته عقله ، فالبهائم خير منه ، ومن غلب عقله شهوته ، فهو خير من الملائكة . حكاية : قال إبراهيم الخواص : كنت في جبل اللّكام فرأيت رمّانا فاشتهيته ، فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة ، فمضيت وتركت الرمان ، فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمعت عليه الزنابير فقلت : السّلام عليك ، فقال لي : وعليك السّلام يا إبراهيم . فقلت : من أين عرفتني ؟ فقال : من عرف اللّه لا يخفى عليه شيء . فقلت : أرى لك مع اللّه حالا فهلا سألته أن ينجيك من هذه الزنابير ؟ فقال : وإني أرى لك مع اللّه حالا ، فهلا سألته أن ينجيك من شهوة الرمان ؟ فإن الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ، ولذع الزنابير يجد ألمه في الدنيا ، ولذع الزنابير على النفوس ، ولذع الشهوات على القلوب . فمضيت وتركته .